الخبير الاقتصادى المرموق د. التجاني الطيب : رفع العقوبات التجارية والاقتصادية الأميركية … شماعة الفشل
(التجاني الطيب إبراهيم)
رفع العقوبات التجارية والاقتصادية الأميركية … شماعة الفشل
د/ التجاني الطيب إبراهيم
مدخل: بعد صدور قرار الرفع الجزئي المؤقت للعقوبات الأميركية المفروضة على السودان خلال العقدين ونصف الماضية في يناير 2017م، كتبنا بتكليف من “الجزيرة نت” مقالاً اقتصادياً بعنوان: “السودان: رفع العقوبات التجارية والاقتصادية الأميركية وتداعياته”. تناولنا في المقال الآثار الأقتصادية والمالية التي يمكن أن يحدثها القرار في الاقتصاد السوداني، وخلصنا إلى أن القرار سيكون محدود الفائدة اقتصادياً في ظل غياب إصلاح جذري للسياسات الاقتصادية والمالية الحالية. الآن وقد مر على صدور القرار الأميركي أكثر من ثمانية أشهر، فنود في هذه العجالة إعادة قراءة تداعيات القرار واحتمالية رفع العقوبات الجزئي نهائياً على أرض الواقع بعيداً عن التفاؤل المفرط حيث صارت العقوبات شماعة تعلق عليها أخطاء السياسة وفشل السياسات الاقتصادية.
خلفية: هناك نوعان من العقوبات الأميركية التي استهدفت السودان: النوع الأول: تنفيذية رئاسية شملت: الأمر التنفيذي 13067 (نوفمبر 1997م)، الذي تم بموجبه فرض عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية شاملة، علماً أنه قد تم قبل ذلك إضافة السودان للقائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب (1993م)؛ الأمر التنفيذي 13400 (أبريل 2006م)، حيث تم توسيع العقوبات لتشمل حظر الأفراد، الذين تثبت مساهمتهم في نزاع دارفور، وحجز أملاكهم؛ والأمر التنفيذي 13412 (سبتمبر 2006م)، الذي قضى باستمرار حجز أموال الحكومة السودانية، مع إضافة كل المعاملات التي قد يقوم بها أي مواطن أميركي مع صناعة البترول والصناعات البتروكيميائية في مجال النفط وأنابيب النفط السودانية. أما النوع الثاني من العقوبات، فقد تم بتشريعات من الكونغرس الأميركي وضم: قانون سلام السودان (2002م)، قانون سلام السودان الشامل (2004م)، وقانون سلام ومحاسبة دارفور (2006م)، وقانون المحاسبة ونزع الاستثمار في السودان (2007م).
القرار وتفسيره: يقضي القرار بإلغاء الأمرين التنفيذيين 13067، و 13412، اللذان تم ذكرهما سابقاً. شمل القرار فك الأصول المجمدة، والمعاملات البنكية والمصرفية، وكل المعاملات التجارية والاستثمارية، مع بعض الاستثناءات مثل شراء المعدات العسكرية والأجهزة المتقدمة، والأجهزة ذات الاستعمال المشترك، التي تحدد النظر في أمرها بعد 180 يوماً من بدء سريان القرار (لم يحدث ذلك) بعد التأكد من جدية الحكومة السودانية في السير قدماً نحو الديمقراطية، والحريات العامة والحد من الصراعات المسلحة. لكن القرار لم يمس ” قانون سلام دارفور” ووضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما يعني أن السودان سيظل محظوراً من الاستفادة من المساعدات التنموية ومبادرات خفض الديون الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، فمع بقاء السودان على لائحة الدول الداعمة للإرهاب، فأنه من غير المتوقع حصوله على إستثمارات طويلة المدى، وسيظل العالم ينظر إليه بتحفظ شديد، خاصة في ظل الأوضاع السياسية والإقتصادية المتأزمة. لذلك لا بد من تكثيف العمل السياسي والإقتصادي للخروج من نفق العقوبات التشريعية.
إجرائياً، بدأ العمل بالقرار ابتداء من السابع عشر من يناير 2017م لمدة ستة أشهر مدت إلى ثلاثة أشهر تنتهي في الثاني عشر من أكتوبر 2017، لكن عملياً لم يتم إنزال القرار إلى أرض الواقع بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر من صدوره. وهذا ليس غريباً قياساً على تجربتي إيران وكوبا، وعجز السودان من الاستفادة من الفرص التي يتيحها القرار كما سنرى لاحقاً.
أضرار العقوبات: في البداية حاول السودان تفادي العقوبات المفروضة عليه، خاصة في مجال المعاملات المالية والمصرفية، بالتحول من الدولار الأميركي إلى العملات الأخرى قابلة التحويل، لكن سرعان ما باءت هذه الخطوة بالفشل، نتيجة لقوة أميركا الاقتصادية وسيطرتها شبه الكاملة على نظم وحركة المعاملات المالية في العالم. لذلك، انقطعت علاقة السودان تدريجياً بالبنوك الأميركية، ثم الأوروبية، ثم بدأت بعد ذلك معظم البنوك والمصارف الخليجية والآسيوية في الابتعاد عن التعامل مع السودان خوفاً من تأثير العقوبات الأميركية على مصالحها، ما زاد من تكلفة تقديم الخدمات والتحاويل والتجارة للسودان. المؤسف، أن تلك العقوبات أضرت أيضاً بالقطاع السوداني الخاص بحرمانه من التمويل الخارجي، والاستثمار الأجنبي خوفاً من الوقوع في مصيدة قوانين المقاطعة الأميركية، التي طالت أيضاً السودانيين في دول المهجر وفي الداخل بسبب صعوبة التحويلات البنكية من وإلى السودان.
أما في قطاع النقل، فقد كانت السكة حديد والخطوط الجوية السودانية أول الخاسرين بسبب توقف أكثر من 80% من القطارات والطائرات ذات الأصل الأميركي عن العمل لعدم توفر قطع الغيار، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة النقل عن طريق الجو والشاحنات. كما أضرت العقوبات أيضاً بقطاع الصحة، خاصة الجانب الدوائي، نتيجة للتأثير السلبي على استيراد الأدوية المنقذة للحياة. وعلى مجالات التعاون الدولي وبناء القدرات البشرية ونقل التقانة الحديثة. فيما يختص بقطاع الصناعة، الذي يستحوذ على 26% من إجمالي الناتج المحلي حسب الاحصائيات الرسمية، فقد ساعدت المقاطعة في تدهور الصناعات الرئيسية كالنسيج والزيوت والملبوسات والمنتجات الجلدية والدواء نسبة لعدم توفر قطع الغيار والتقانة الحديثة بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة التمويل والمعاملات البنكية، ما أدى إلى توقف الكثير من الصناعات الحيوية وتشريد كم هائل من العمالة. أما القطاع الزراعي، الذي يساهم بأكثر من 29% من إجمالي الناتج المحلي، فلم يكن أوفر حظاً، حيث ساعدت العقوبات فى رفع أسعار مدخلات الإنتاج بسبب الشراء عبر الوسطاء والسوق الموازي، زيادة أسعار التأمين، والحرمان من التقنية الأميركية والغربية، ما نتج عنه ارتفاع تكلفة الإنتاج وبالتالي توقف الكثير من الصادرات الزراعية، خلاف الصمغ العربي. باختصار، قد تمثل المقاطعة أحد الأسباب، وليست السبب الوحيد، في تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية حيث ساهمت وبصورة مباشرة في رفع تكلفة الإنتاج وبالتالي في ارتفاع أسعار المستهلكين، ما ساعد في الحد من تنافسية المنتجات السودانية وتوسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد القومي. لكن من الخطأ جعل المقاطعة شماعة يعلق عليها فشل سياسات الحكومة الاقتصادية والمالية، ناهيك عن الأخطاء السياسية، لأن لتلك السياسات دور أساسي في تأزم الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها السودان حالياً.
فقد ظل الوضع الاقتصادي السوداني في حالة تأزم منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008م، تنعكس في عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك في الاقتصاد الكلي الناتج عن: (1) التوسع المستمر عبر الموازنة العامة للدولة، في الإنفاق الحكومي التشغيلي غير الداعم للنمو، الذي زاد بأكثر من 100% منذ انفصال الجنوب (يوليو 2011م) وذهاب 75% من إنتاج النفط مع الجنوب، والصرف خارج الموازنة على الصراعات المسلحة في أرجاء البلاد والأنشطة السياسية لدعم النظام الحاكم. هذا يعني أن الحكومة تكيفت مع إنفصال الجنوب بالمقلوب!. مشكلة الأنفاق التشغيلي أو الجاري أنه يبتلع كل الإيرادات والمنح الخارجية ويزيد. فمثلاً، زاد هذا النوع من الصرف على إجمالي الإيرادات والمنح بحوالى 19% (11 مليار جنيه) في العام المالي 2016م حسب موازنة العام المالي 2017م، و 18% (7 مليار جنيه) في النصف الأول من العام المالي 2017م وفقاً للاحصائيات الرسمية المتوفرة. هذا يعني أن الحكومة تقترض لتمويل العجز التشغيلي والإنفاق على التنمية، ما يجعل من الأخيرة مجرد شعار سياسي ليس إلا. (2) التراجع المتواصل لأداء القطاعات الحقيقية الرئيسية الزراعة (بشقيها النباتي والحيواني) والصناعة خلال الأعوام الثمانية الماضية، التي شهدت نمواً سلبياً بلغ متوسط معدله السنوي حوالى 3%. هذا أدى إلى ظهور اختناقات هائلة في الإنتاج المحلي زادت من الاعتماد على الاستيراد، خاصة الغذائي، وقلصت من حجم الصادرات، ما أدى إلى المزيد من الطلب على النقد الأجنبي، مع ملاحظة أن عائد صادرات الذهب لا يتعدى 1,2 مليار دولار في العام. هذا قاد بدوره إلى تنامي عجز الميزان التجاري (الفرق بين الصادر والوارد)، الذي ارتفع من 300 مليون دولار في عام 2011م، إلى أكثر من أربعة مليار في عام 2016م. هذه العوامل هي السبب الرئيسي وراء تدهور قيمة العملة السودانية مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى قابلة التحويل. بالإضافة إلى ذلك، فهناك عدة مخاطر سلبية تخيم على الآفاق الاقتصادية المتوقعة في السودان. فعدم إحراز تحسن ملموس في خلق فرص العمل، خاصة للشباب، ومستويات المعيشة يهدد تفاقم الاحتكاكات الاجتماعية والسياسية، كما أن النكسات التي تتعرض لها عملية التحول السياسي ووضع وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية يمكن أن تضر بأي تعافي اقتصادي متوقع. في هذه البيئة المحفوفة بالمخاطر، أتي قرار الرفع الجزئي المؤقت للعقوبات الأميركية المفروضة على السودان.
تداعيات رفع العقوبات: الرفع الجزئي المؤقت للعقوبات يمثل خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح تتيح استعادة التبادل التجاري والاقتصادي بين السودان وبقية العالم الغربي عن طريق تسهيل العمليات والإجراءات المصرفية لحركة الصادر والوراد، وتوفير السلع ومدخلات الإنتاج الأساسية، والخدمات الصحية والتعليمية، بالإضافة للاستفادة من كافة التسهيلات البنكية والمصرفية الموجودة في العالم، والتقنية الأميركية والغربية المتطورة، وفتح مجالات التعاون مع مؤسسات التمويل والاستثمار الدولية، خاصة بالنسبة للقطاع الخاص السوداني. من جانب آخر، يتيح القرار أيضاً فرصة قد تكون الأخيرة لمواجهة التحديات والمشاكل الحقيقية التي تواجه الاقتصاد السوداني لإستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي دون احتفاليات وفرقعات إعلامية بائسة.
في جانب أثر رفع العقوبات على القطاعات الإنتاجية، فسيكون القطاع الزراعي (بشقيه النباتي والحيواني) الأكثر استفادة من الرفع. هذا القطاع يمثل القاعدة الإنتاجية الرئيسية للاقتصاد ويعتمد عليه أكثر من 60% من سكان البلاد كمصدر دخل. فاستعادة انسياب واردات المدخلات الزراعية من قطع الغيار والأسمدة والتقاوي والتقنيات الحديثة سيرفع من إنتاج وإنتاجية القطاع ما سينتج عنه زيادة الصادرات وعائدها من العملات الصعبة بعد خفض تكلفة الإنتاج ورفع تنافسية المنتجات السودانية، شريطة أن تتبنى الحكومة السودانية تدابير وسياسات جديدة تعزز التنافسية والإنتاج المحلي. أما القطاع الصناعي، الذي يمثل أحد المصادر الرئيسية للعمالة، فهو الآخر، كالزراعة، سيستفيد من رفع العقوبات. لكن، بما أن الموارد الضرورية لإنعاش القطاعات المنتجة تستغرق وقتاً لتوفيرها وتنفيذها، فمن غير المتوقع أن يستفيد السودان من رفع العقوبات في توسيع وتنويع قاعدته الإنتاجية وزيادة حجم صادراته في المدى القصير، على أقل تقدير. على عكس ذلك، فمن المتوقع في حالة التعطش للواردات الأميركية، خاصة من جانب القطاع الخاص السوداني، أن تكون أميركا هي المستفيد الأول من رفع العقوبات في المرحلة الأولية، ما قد يؤدي إلى اتساع عجز الميزان التجاري، وبالتالي زيادة الضغط على أسواق النقد الأجنبي وسعر صرف العملة السودانية.

إرسال تعليق